سيد محمد طنطاوي
391
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الجمل في حاشيته : والذي سوغ لهم الخروج وترك الرسول صلى اللَّه عليه وسلم يخطب ، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز ، لانقضاء المقصود وهو الصلاة ، لأنه كان صلى اللَّه عليه وسلم في أول الإسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين ، فلما وقعت هذه الواقعة ، ونزلت الآية ، قدم الخطبة وأخر الصلاة . . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وتَرَكُوكَ قائِماً ) * جملة حالية من فاعل * ( انْفَضُّوا ) * والمقصود بها توبيخهم على هذا التصرف ، حيث تركوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم واقفا يخطب على المنبر ، وانصرفوا إلى التجارة واللهو . وقوله - سبحانه - : * ( قُلْ ما عِنْدَ اللَّه خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ ، واللَّه خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب . . قل لهم : ما عند اللَّه - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذي يشغلكم عن ذكر اللَّه ، ومن التجارة التي تبتغون من ورائها الربح المادي ، والمنافع العاجلة . واللَّه - تعالى - هو خير الرازقين ، لأنه - سبحانه - هو وحده الذي يقسم الأرزاق ، وهو الذي يعطى ويمنع ، كما قال - سبحانه - : ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه ، وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وقدمت التجارة على اللهو في صدر الآية ، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها ، وترك الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قائما يخطب على المنبر ، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه . وأخرت في آخر الآية وقدم اللهو عليها ، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع ، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك . هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتي : 1 - فضل يوم الجمعة ، وفضل صلاة يوم الجمعة ، والتحذير من ترك أدائها . ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم . وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة » . وروى الشيخان عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « نحن الآخرون -
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 345 .